الجاحظ

359

الحيوان

ترى في صيدهم ؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ « 1 » . فأوّل شيء يعظّم في عينك شأن الكلب ، أنّ هذا الوافد الكريم الذي قيل له ما قيل ، وسمّي بما لم يسمّ به أحد - لم يسأل إلّا عن شأن الكلب . وثانية وهي أعظمها : أنّ اللّه تعالى أنزل فيه عند ذلك آيا محكما فقال : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ فسمّى صيدها طيّبا ، ثم قال : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ مخبرا عن قبولها للتعليم والتأديب . ثم قال : مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ولولا أنّ ذلك الباب من التعليم والعلم مرضيّ عند اللّه عزّ وجلّ ، لما أضافه إلى نفسه . ثم قال : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فأوّل شيء يعظم به في عينك إمساكه عليك . وهكذا يقول أصحاب الصيد ، إن كل صائد فإنّما يمسك على نفسه إلّا الكلب فإنّه يمسك على صاحبه . ولو كان الجواب لزيد الخيل سنّة من سنن النبي صلى اللّه عليه وسلم لكان في ذلك الرّفعة ، فكيف والكتاب فوق السّنّة . وقد روى هشام أنّ ابن عبّاس سمّى كلاب ذريح هذه وكلاب أبي دجانة فقال : المختلس ، وغلّاب ، والقنيص ، وسلهب ، وسرحان ، والمتعاطس « 2 » . 406 - [ العلاج برجيع الكلاب ] وزعم الأطبّاء أنّ من أجود أدوية الذّبحة والخانوق أن ينفح في حلق من كان ذلك به ، ما جفّ من رجيع الكلاب . وأجود ذلك أن يكون يتغرغر به وربّما طلوه على جلد المحموم الحديد الحمّى . وأجود رجيع الكلاب أن يشتدّ بياضه . وليس يعتريه البياض إلّا عن أكل الطعام ، وذلك رديء للقانص منها . والجعور قد تبيضّ إذا كان قوت صاحبها اللبن ، ولذلك قال أبو كلاب - وهو ابن لسان الحمّرة - ومرّ به رجل من بني أسد فقال : قد علمت العرب يا معشر بني أسد أنّكم أشدّها بياض جعور ، فعكف عليه فضربه بالسيف حتى برد .

--> ( 1 ) . 4 / المائدة : 5 . ( 2 ) انظر البيت الرابع من قصيدة مزرد بن ضرار التي تقدمت في الفقرة 277 .